ابن تيمية
130
مجموعة الرسائل والمسائل
فأثيب عليه ، وتلك همت هم إصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها وإن لم يحصل لها المطلوب " . والذين قالوا يعاقب بالإرادة احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم " إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار " قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال " إنه أراد قتل صاحبه " وفي لفظ " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " فهذا أراد إرادة جازمة وفعل ما يقدر عليه وإن لم يدرك مطلوبه ، فهو بمنزله امرأة العزيز ، فمتى كان القصد جازماً لزم أن يفعل القاصد ما يقدر عليه في حصول المقصود ، وإذا كان قادراً على حصول مقصوده بطريق مستقيم امتنع مع القصد التام أن يحصله بطريق معكوس بعيد . ولهذا امتنع في فطر العباد عند ضرورتهم ودعائهم لله تعالى وتمام قصدهم له أن يتوجهوا إليه إلا توجهاً مستقيماً ، فيتوجهون إلى العلو دون سائر الجهات ، لأنه الصراط المستقيم القريب ، وما سواه فيه من البعد والانحراف والطول ما فيه ، فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد والسائر المضطر يمتنع أن يتوجه إليه إلا إلى العلو ، ويمتنع أن يتوجه إليه إلى جهة أخرى ، كما يمتنع أن يدلي بحبل يهبط عليه ، فهذا هذا والله أعلم . وأما من جهة الشريعة فإن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها ، لا بتبديل الفطرة وتغييرها . قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه " كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء " أي مجتمع الخلق سوية الأطراف ليس فيها نقص كجدع وغيره " هل ترون فيها من نقص ؟ هل تحسون فيها من جدعاء " . وقال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . فجاءت